محمد بن جرير الطبري
مقدمة 5
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة 1 - محمد بن جرير الطبري لم يكد يطلع القرن الثالث للهجرة حتى كانت العلوم الإسلامية قد اقتربت من النضج وشارفت الكمال ؛ فقد وضعت الأسس الثابتة لمذاهب الفقه ، وألفت الكتب الصحاح في الحديث ، وجمعت اللغة من أفواه الأعراب ، وصنفت كتب السيرة والمغازي والفتوح ، وتحددت معالم الخلاف بين نحاة الكوفة والبصرة ، واستوعبت العربية طائفة من علوم الفرس والهند واليونان ، واتسعت آفاق المعرفة عند العلماء ؛ فكان المشتغل باللغة والنحو عالما بالحديث ووجوه التأويل ، والمحدث عارفا بالتاريخ وصنوف الفرق والمذاهب ومراتب الرجال ، والشاعر يأخذ بنصيب من اللغة والنحو والتصريف ، والفقيه يحفظ الشعر والمثل ، ويروى الحديث والخبر ، ويشارك في صنوف الآداب . ولم تعبد حلقات الدروس ، ومجالس العلماء ومدارسة العلوم وصناعة التأليف موقوفة على الكوفة والبصرة وبغداد ؛ بل امتدت شرقا إلى فارس وخراسان والري وما وراء النهر ؛ وسارت غربا إلى الشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس ، وأصبحت الحواضر والقرى في هاتيك البلاد مأهولة بالفقهاء والقراء والرواة والمحدثين والنظار ، وشيوخ الأدب وأئمة اللغة والنحو ، تشد إليهم الرحال ، ويقصدون من كل مكان . * * * وفى هذه الحقبة من الزمن ، بزغ نجم المحدث الفقيه الجامع لأشتات العلوم ، أبى جعفر محمد بن جرير بن - ريد بن كثير الطبري . فقه العلم صبيا وهو دون الإدراك ، ورحل في سبيله يافعا لم يبلغ مبلغ الرجال ، ولقى المثين من الرواة والعلماء ، وطالع صنوف الكتب ، ولم يلبث أن أصبح إماما وصاحب مذهب ،